مركز الثقافة والمعارف القرآنية

555

علوم القرآن عند المفسرين

ولعلك قد قرأت تحليل عبد القاهر وعلماء البلاغة للآية الكريمة : رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 1 » ، أو شرحهم للآية الحكمية : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ ، وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ : يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ، قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ، قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ، وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ، وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ، وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ، وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 2 » . ولعلك على ذكر من هذه الوجوه البلاغية التي يذكرونها في الموازنة بين قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ « 3 » وقول أكثم بن صيفي : القتل أنفى للقتل ، ولعلك قرأت ما كتبه الزمخشري في بلاغة كثير من الآيات القرآنية الحكيمة أو ما كتبه في قوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ « 4 » إلى قوله تعالى : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ « 5 » ، أو ما دونه علماء البلاغة في بلاغة الآية الكريمة : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ « 6 » فكل ذلك لا يضيرك على أي حال في فهم أسرار بلاغة القرآن وإعجازه ، وهو من جهة أخرى وسيلة لتربية ذوقك وملكتك في النقد والبيان . ولكننا نعود بك إلى فطرتك الأدبية وحدها ، فنطالبها بالفهم والنقد والحكم في قضية الإعجاز ، وأنت تعلم أن الأمة العربية أمة تحب البلاغة وتعشقها وتجيدها ويهزها البيان الجيد والفصاحة والرائعة ، وفيها مقاول البلاغة ومصاقع الخطباء وأعلام الشعراء ، لا نرى لأحد عليها فخرا ، ولا تحسب روعة البيان وسحر الكلام إلا لها ، وكانت كما يقول الجاحظ . أكثر ما كانت شاعرا وخطيبا وأحكم ما كانت لغة ، فدعا أقصاها وأدناها إلى

--> ( 1 ) سورة مريم : الآية 4 . ( 2 ) سورة هود : الآية 41 - 44 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 179 . ( 4 ) سورة الزّمر : الآية 67 . ( 5 ) سورة الزّمر : الآية 69 . ( 6 ) سورة الأعراف : الآية 199 .